السيد حيدر الآملي
275
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
والذكر والإعراض إلى العين الباصرة الّتي ليست هي من شأنها تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ، وقطّ لا ينسب ( ما نسب ) أحد من العقلاء العلم والجهل إلى الحجر أو الحائط وغير ذلك من الجمادات لأنّ هذا ليس من شأنها ، وأمّا العدل فإنّ عدله يقتضي أن يحشر الإنسان في القيامة مستوي الخلقة والقامة ولو كان في الدّنيا ناقصا ، وخصوصا إذا كان من أهل الجنة وكان ورعا صالحا فإنه لا يجوز أن يكون هو ناقص الخلقة . وسلمنا أنه صفة الكفار فيجب أن يكون تمام الخلقة تأكيدا للحجّة عليه مع أنّه مقرّ بأنّه كان بصيرا في الدّنيا فكيف يحشر أعمى من حيث الصّورة بل عماه وحشره عليه يكون من حيث المعنى لا غير ، ويعرف هذا من صفة الكفّار في الدنيا لأنّ اللّه تعالى وصفهم بالصمّ والبكم والعمى وبأنّهم لا يعقلون . [ هذا في سورة البقرة : 171 ، مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ] . والحال أنّهم يسمعون وينطقون ويبصرون ويعقلون فيكون حينئذ تقديره : أنّهم لا يسمعون في الحقيقة ولا يبصرون على التّحقيق بعين البصيرة ، وكذلك النّطق والتعقّل ، ولهذا يقولون في معادهم يوم القيامة : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [ سورة الملك : 10 ] . والّذي قال تعالى أيضا : فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [ سورة الإسراء : 72 ] . مطابق لما سبق من قوله ، لأنّ المكلّف إذا رأى نفسه أنّها فارقت الأسباب والأدوات الّتي كانت يمكن أن تحصل بها نورا يكون سبب افتتاح عين بصيرته ، وجلاء قلبه وبقيت على حاله لم يتمكّن من الرّجوع إلى تلك الحالة فلا بدّ وأن يكون أعمى وأضلّ مما كان لعدم الأسباب والأدوات ، وهذا ظاهر جليّ ، ولهذا قال إخبارا عن حالهم : فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ سورة المنافقون : 10 ] .